الشيخ محمد علي الأنصاري

558

الموسوعة الفقهية الميسرة

لأنّه تكليف بما لا يطاق « 1 » ، ويدلّ عليه الأخبار الكثيرة . . . » « 2 » . ثمّ ذكر مجموعة من الروايات والأحاديث ، منها حديث : « كلّ شيء مطلق . . . » الذي استدلّ به الصدوق ، وحديث الرفع والحجب وغيرها ممّا استدلّ به المتأخّرون عنه على البراءة الشرعيّة . فنرى أنّ التوني جعل البراءة من الأدلّة العقليّة أوّلا ، ثمّ استدلّ عليها بالسنّة . ثمّ جاء دور الوحيد البهبهاني حيث جعل للأصول العمليّة محلّا مرموقا في علم الأصول ، وعدّ البراءة أصلا مستقلّا ، واستدلّ عليه بالكتاب والسنّة والعقل ، فقدّم دليل العقل وقال : « دليل المعظم : أنّه إذا لم يكن نصّ لم يكن حكم ، فالعقاب قبيح على اللّه تعالى » « 3 » . وقد عرفت هذه القاعدة فيما بعد ب « قاعدة قبح العقاب بلا بيان » . ثمّ جاء دور الشيخ الأنصاري حيث تبلورت على يديه أبحاث الأصول العمليّة بما فيها أصل البراءة ، واستدلّ عليه بالكتاب والسنّة والعقل ، والمراد بالعقل قاعدة « قبح العقاب بلا بيان » . ومن بعد ذلك عرفت البراءة المستدلّ عليها بقاعدة قبح العقاب بلا بيان بالبراءة العقليّة ، والمستدلّ عليها بالكتاب والسنّة بالبراءة الشرعيّة . هذا كلّه بحسب الرؤية الأصوليّة للمسألة ، بمعنى ملاحظة الكتب الأصوليّة التي ذكرت الموضوع . وأمّا بحسب الرؤية الفقهيّة وملاحظة كتب الفقه ، فإنّا نرى أنّ السيّد المرتضى ومن تأخّر عنه استدلّوا بأصل البراءة على نفي التكليف في الموارد التي يشكّ ثبوته فيها ، ولكن استدلّ الشيخ الصدوق - قبل السيّد المرتضى - على جواز القنوت بالفارسيّة بما رواه عن الصادق عليه السّلام : « كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي » « 1 » ، ثمّ قال : « والنهي عن الدعاء بالفارسيّة في الصلاة غير موجود » . وعلى أيّة حال ، فقد صرّح السيّد المرتضى ومن بعده الشيخ الطوسي بالاستدلال بالبراءة في كثير من الموارد الفقهيّة ، وتبعهما من تأخّر عنهما ، فمن أمثلة استدلالهما : 1 - استدلال السيّد المرتضى على نفي الزكاة عن غير الأمور التسعة بأصل البراءة ، حيث قال : « والذي يدلّ على صحّة مذهبنا مضافا إلى الإجماع : أنّ الأصل براءة الذمّة من الزكوات ، وإنّما يرجع إلى الأدلّة الشرعيّة في وجوب ما يجب منها . . . » « 2 » . ثمّ نفى وجود الدليل على غير التسعة ، فيكون الأصل براءة الذمّة عن وجوب الزكاة فيها . 2 - واستدلاله على جواز إفساد صوم التطوّع

--> ( 1 ) هذا إشارة إلى ما قاله ابن زهرة . ( 2 ) الوافية : 180 . ( 3 ) الرسائل الأصوليّة : 350 ، رسالة أصالة البراءة . 1 من لا يحضره الفقيه 1 : 317 ، الحديث 937 . 2 الانتصار : 75 .